أولاً: في جانب الشكل: ومن حيث إن قرار دائرة فحص الطعون بجلستها المؤرخة 3/6/1422هـ الموافق 22/8/2000م، وبكامل هيئتها، ومن واقع استعراض مستلزمات قبول الطعن بالنقض شكلاً من ميعاد ورسوم وصفة ومصلحة، قد قضى بتوافر شروطه القانونية، فإن الطعن بالنقض يكون مقبولاً شكلاً.
ثانياً: في الموضوع: وبعد استماع الدائرة تقرير التلخيص المضمن آنفاً، المعد من قبل أحد أعضائها، وبالرجوع إلى مشتملات ملف القضية من الأوراق والمحاضر والمستندات والأحكام لدرجتي التقاضي، وفي ضوء مثارات الطاعنين بالنقض ورد محامي المطعون ضدهما عليه، يبين من ذلك أن ما أثاره الطاعنون في البند الأول من عريضة الطعن بالنقض من نعي على الحكم المطعون فيه عدم التصدي لخطأ المحكمة الابتدائية في مخالفتها المواد (678، 920، 921) من القانون المدني النافذ رقم (19) لسنة 1992م، وكذا المادتين (5، 90) من قانون المرافعات على تعلق ذلك بالنظام العام، في شأن إعمال محكمة أول درجة لنص المادة (288) من قانون الأحوال الشخصية حالة عدم وجود توكيل خاص بالصلح أو بقبوله أو التنازل عن الخصومة.
وفي ضوء ما ناهض به محامي المطعون ضدهما ذلك السبب بقوله بخطئه، حيث إن التسوية تمت في ظل ولاية قانونية سارية المفعول من جميع الورثة لعبد الله حسن عبد العزيز، مؤرخة 22/4/1999م، معمدة من رئيس التوثيق بمحكمة الضالع الابتدائية، وأن من الموكلين ابن المتوفى البالغ محمد عبد الله محمد، وأنها، أي الوكالة، تضمنت في السطر التاسع منها النص على اتفاقات الصلح أو التحكيم والتوقيع عليها، وبأن اتفاقية الصلح جاءت مستوفية للشروط القانونية وبما يجعلها سنداً تنفيذياً لا يجوز أن يُفتح نزاع فيه.
ومن حيث إن مؤدى دفع محامي المطعون ضدهما حيال هذا الوجه من أوجه الطعن يثير إعمال المادة (12) من قانون المرافعات، مقروءة مع المادتين (157، 159) من ذات القانون، فإنه وبالرجوع إلى منطوق وحيثيات الحكم المطعون فيه والحكم المؤيد به، في ضوء المقارنة بمستند قضائه وهو محرر المخالصة المؤرخة 4/5/1999م، وما قدمت عليه هذه الوثيقة وهي الوكالة المحررة لعبد الله عبد العزيز حسن، متضمنة تفويضه بالصلح أو التحكيم والتوقيع عليها، مقارنة بأسماء الموكلين، يبين أن هذا الدفع يفتقر إلى أساس صحة التوكيل؛ حيث ورد نصه بما يفيد صدوره ممن لم يكونوا عند وقوعه من الورثة في تاريخ 22/4/1999م قد بلغوا سن الرشد المحددة قانوناً في نص المادة (51) من القانون المدني.
حيث البين من قرار محكمة الضالع الابتدائية رقم (14) لسنة 1992م، المؤرخ 16/3/1992م، مقارناً بالأسماء الواردة في سند التوكيل المحتج به أساساً لاتفاق الصلح المدفوع به، أن كلاً من نجوى عبد الله محمد بن محمد، وأشجان عبد الله محمد، وأسماء عبد الله محمد بن محمد، وكلهم من ورثة المتوفى عبد الله محمد بن محمد، وردت أسماؤهم ضمن الوكالة المدعاة حالة أنهم لم يكونوا متمتعين بالأهلية القانونية المتطلبة شرعاً وقانوناً كشرط لصحة التصرف في الحقوق التي شملها الصلح؛ وذلك يرتب أثره في بطلان الوكالة وما بني عليها من صلح.
خاصة وأن من المقرر بحكم المادة (677) مدني أنه لا يصح الصلح ممن لا يملك التبرع كالصبي وولي الصغير، ولعدم ورود إذن صريح عنهم بذلك من المحكمة المختصة وفق ما تستوجبه المادة (284) من قانون الأحوال الشخصية النافذ المشار إليه، موقع من والدة القصر المذكورين فاطمة صالح أحمد، أرملة المتوفى، حيث توقيعها عليه لا ينسحب أثره القانوني عليهم، إذ لم توقعه بمقتضى التنصيب السابق لها من المحكمة المختصة (محكمة الضالع) لخلو صك الوكالة من ذلك. وبفرض جوازه قانوناً، وهو ما لا تسلم به لتصادمه مع صريح نصوص المواد (284، 288، 290) من القانون سالف الذكر، ناهيك أنه لم تأذن به المحكمة المختصة بالإشراف على الوصاية لو كان قد تم على ذلك الأساس.
ومن حيث إن الثابت التفات محكمة الموضوع بدرجتيها عن إعمال صحيح القانون حيال مثارات الطاعنين تلك حال مثولها أمامها لدى التداعي ابتدائياً واستئنافياً، وإذ إن من المقرر قانوناً والمستقر فقهاً وقضاءً أن ما بُني على باطل فهو باطل بدوره، ووفقاً للمادتين (39، 40) مرافعات فإن الحكم إذا بُني على أساس أو سبب باطل فهو باطل بدوره، وبالإعمال لحكم المادة (168) من نفس القانون، فإن هذا الوجه من أوجه الطعن يكون محمولاً على الورود، والدفع عليه من محامي المطعون ضدهما يغدو حرياً بالرفض.
ومن حيث إن القانون البحري هو قانون خاص، والقاعدة أن الخاص يقيد العام، ولما كانت محكمة الموضوع بدرجتيها أصلاً لم تقض في التعويض بقضاء محدد اعتماداً على ما ساقته في منطوق حكمها من اتفاق التصالح، فإن هذا السبب من الطعن الذي لم يُبنَ عليه الحكم المطعون فيه ولا الحكم المؤيد به لا محل لمناقشته؛ وذلك ما يوجب إطراح هذا الوجه من الطعن، إذ لا محل لإعماله من عدمه إلا عند الحكم في الدعوى من المحكمة المختصة ذاتها، وهو ما لم يتوافر في واقعة هذا الطعن.
ومن حيث ما جاء في السبب الثالث من أسباب الطعن من نعي على الحكم المطعون فيه والحكم الابتدائي المؤيد به البطلان لمخالفته القانون وعدم التقيد بنصوصه، بما يرتب بطلان الحكم وفقاً للمادتين (8، 15) من قانون المرافعات، والذي ناهضه محامي المطعون ضدهما بعكسه متمسكاً بالأحكام قائلاً باتفاقها مع نصوص القوانين النافذة، فإنه وعن هذا السبب بخصوصه، ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن محكمة أول درجة لم تُعمل رقابتها القانونية حيال ما دُفع به أمامها من بطلان الصلح وعدم التحقيق في استجماعه شروط صحته القانونية، وسايرتها في ذلك محكمة ثاني درجة على رغم مثارات الطاعنين أمامها في هذا الشأن، فلم تُعمل محكمة الاستئناف رقابتها على محكمة أول درجة وفق ما تستوجبه المادتان (211، 212) من قانون المرافعات؛ فإنه لذلك يكون لهذا الوجه من أوجه الطعن أساس صحيح وسند قائم من مدونة الحكم المطعون فيه والحكم المؤيد به ومن المشمولة بملف القضية.
فإذا أضفت إلى ما تقدم ما أوقفتنا عليه المراجعة للأوراق من بطلان في كلا الحكمين قائم من اختلال التشكيل القانوني لهيئتي الحكم في درجتي التقاضي؛ حيث الثابت أن جلسات السماع لدى محكمة أول درجة، حال تشكيلها قانوناً من رئيس وعضوين، فلم تكتمل الهيئة في معظم الجلسات، وعلى التحديد جلسة 6/6/2000م، وجلسة 25/4/2000م، وجلسة 29/2/2000م، وجلسة 1/فبراير/2000م، وجلسة 26/10/1999م، وجلستي 16/8/1999م و20/7/1999م... إلخ.
وهو الأمر الذي لم تكن محكمة ثاني درجة فيه بدورها بأحسن حال من سابقتها؛ حيث الثابت من محاضر جلسات الشعبة الاستئنافية عدم اكتمال هيئة المحكمة في أي من جلسات السماع القضائي المنعقدة في 21/1/2001م و12/2/2001م و23/4/2001م، ومع التوقيع على الأحكام من الهيئة كاملة بعد ذلك، الأمر الذي يتضح به أن الأحكام، الابتدائي منها والاستئنافي، قد وقع عليها من قضاة لم يشتركوا في نظر وسماع الخصومة؛ فاستلزم الأمر تقرير بطلانهما بطلاناً مطلقاً متعلقاً بالنظام العام، بالتطبيق للمواد (42) من قانون السلطة القضائية النافذ رقم (1) لسنة 1999م، والمواد (11، 15، 39، 40، 162، 164، 168) من قانون المرافعات.
وما يوقع الحكم المطعون فيه والحكم المؤيد به تحت طائلة النقض لكلا السببين الواردين في المادة (214) من نفس القانون. ولو لم يكن إلا هذا السبب على انفراده وتعلقه بالنظام العام لكفى، ولا في تسويغ القول بورود السبب الثالث من أسباب الطعن بالنقض كما أثاره الطاعنون، وحسب، بل ومن ثم في تقرير نقض الحكم المطعون فيه والحكم الابتدائي المؤيد به وما بُنيا عليه من سبب لبطلانه كما سبق بيانه.