حيثيات الحكم
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة حيث إن الوقائع على ما يتبين من عريضة الدعوى وسائر الأوراق تتحصل في أن المدعية بوصفها تعمل في مجال الدواجن، دخلت في منازعات ضريبية، عجزت عن حلها عبر لجان الطعن الضريبية، رغم دفعها بانتفاء صفتها كمكلف لأنها معفاة من الضريبة بموجب المادة ١٥ من قانون ضرائب الدخل رقم (٣١) لسنة ١٩٩١م، وأن لها دفوعاً أخرى مسقطة للضريبة المطالب بها، فأرادت ممارسة حقها في اللجوء إلى القضاء، غير أن حقها هذا اصطدم بالمادة (٧٨/ب) من قانون ضرائب الدخل رقم (٣١) لسنة ١٩٩١م التي تقف أمامها سداً منيعاً تمنعها من التقاضي لأنه يفرض عليها سداد ٥٠٪ من الضريبة المقررة عليها بغير وجه حق وبهذا تكون المادة (٧٨/ب) من قانون ضرائب الدخل رقم (٣١) لسنة ١٩٩١م قد حرمتها من حق مقرر لها شرعاً ودستوراً، وأن هذا النص الوارد في المادة (٧٨/ب) من قانون ضرائب الدخل مخالف للمادة ٥٠ من الدستور (وصار رقم هذه المادة بعد تعديل الدستور ٥١) ومخالف للمادة ٦ من الدستور المؤكدة للعمل بميثاق الأم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأن من أهم ما نص عليه الميثاق العالمي لحقوق الإنسان هو كفالة حق التقاضي للإنسان، بدون أي قيد، ومساواة الطرفين أمام القضاء دون ترجيح حق أحدهما على حق الآخر، ومخالف لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء وقد ذهبت وزارة الشؤون القانونية في دفاعها إلى القول أن كافة الحقوق الدستورية التي قررها الدستور للأفراد أو الجماعات، ليست حقوقاً مطلقة لا يرد عليها قيد أو شرط، وإنما هي تمارس وفقاً لما ينظمه ويرسمه ويشترطه القانون، فالانتخاب والترشيح للمجلس التشريعي، وللمجالس المحلية، حق قرره الدستور، لكنه ليس حقاً مطلقاً لكل مواطن، ولكنه قاصر على المواطنين البالغين سن الرشد والمتوفرة فيهم شروط الانتخاب والترشيح التي أوردها القانون، وأن ما ينطبق على حق الانتخاب وحق الترشيح ينطبق على حق التقاضي، وأن حق التقاضي يعتبر كسائر الحقوق الدستورية، لا يؤخذ على إطلاقه وإنما يخضع للعد يد من الضوابط والقيود والشروط التي ترد عليه، وأن من قبيل ذلك القيود الواردة على الدعوى التي منها شروط مطلوبة في المدعي ذاته، وفي الحق المدعى به، وفي الشخص المدعى عليه، وشروط إجرائية لرفع الدعوى، وأن الأمر لا يقتصر على ذلك ففي الطعون الانتخابية قرر قانون الانتخابات في المادة ١٦، أ، ب عدم قبول الطعن ما لم يتم الطعن في قرار لجنة إعداد ومراجعة جداول قيد الناخبين أمام المحكمة الابتدائية خلال خمسة أيام، وحدد ميعاد استئناف قرارات المحكمة الابتدائية بشأن الطعن في قرارات لجنة إعداد ومراجعة جداول الناخبين أمام المحكمة الابتدائية خلال خمسة أيام، وحدد ميعاد استئناف قرارات المحكمة الابتدائية بشأن الطعن في قرارات لجنة إعداد ومراجعة جدول قيد الناخبين أمام المحكمة الابتدائية خلال خمسة أيام، وحدد ميعاد استئناف قرارات المحكمة الابتدائية بشأن الطعن في قرارات لجنة إعد اد ومراجعة جداول الناخبين بخمسة أيام، والمادة ٧٧ منه حددت ميعاد الطعن أمام المحكمة العليا في إجراءات الاقتراع أو نتائج الفرز في الانتخابات الرئاسية خلال ٤٨ ساعة من إعلان اللجنة العليا النتيجة النهائية، وأن ما نص عليه النص الطعين في المادة (٧٨/ب) من قانون ضرائب الدخل لا يخرج عن الإطار السالف عرضه، وأن ما نص عليه النص الطعين ضمان لجدية الدعوى، وضمان لتحصيل الضريبة، وللحيلولة دون أن يكون اللجوء إلى القضاء مجرد طريق للتهرب الضريبي، خاصة في بلد لم يتعمق فيه الوعي الضريبي، وأن المبلغ الذي لزم النص الطعين المكلف بدفعه، ما هو إلا شرط شكلي لقبول طعن المكلف، وهو عبارة عن ضمان، إذا ما ثبت أن المكلف محق في طعنه وحكمت المحكمة له بذلك، وألغت عنه الضريبة التي تم ربطها، فإن هذا المبلغ تتم إعادته للمكلف، أو احتسابه له من أي ضريبة مستحقة عليه، وأن هذا الشرط الشكلي سواء كالشرط الوارد في قانون الانتخابات القاضي بأن يودع الطاعن أمام المحكمة العليا في الانتخابات مبلغ ٥٠٠٠٠ ريال كضمان لجدية الطعن وعليه فإن وزارة الشؤون القانونية قد جمعت في دفاعها بين القول بأن ممارسة حق التقاضي يجوز أن ترد عليه قيود بالمقابل، كما أورد الدستور قيوداً على ممارسة الحقوق السياسية، والقول بأن النص الطعين ضمان لجدية الدعوى، والقول بأنه ضمان لتحصيل الضريبة، وحائل دون أن يكون اللجوء إلى القضاء طريق للتهرب الضريبي، وأن القيد الوارد في النص الطعين ما هو إلا شرط شكلي لقبول الدعوى ور غم هذا الاضطراب البين في دفاع وزارة الشؤون القانونية، فإن هذا الدفاع مردود عليه ما يلي أوالً بأنه لا يمكن مقارنة ممارسة حق الانتخاب وحق الترشيح بالشروط الواردة في النص الطعين فالسن المحدد لممارسة الحقوق السياسية، وشرط أن يكون المرشح غير محكوم عليه في جريمة مخلة بالشرف والأمانة وغيرها من الشروط المتصلة بذلك هي شروط أهلية ممارسة الحقوق السياسية، وهذه الشروط تختلف عن شروط أهلية الاختصام، وعن شروط الأهلية الإجرائية، فحق التقاضي حق ثابت لكل شخص طبيعي وكذلك لألشخاص الاعتبارية ذات الشخصية القانونية هذا الحق غير أن أهلية الاختصام ليست كافية للقيام بالأعمال الإجرائية في الخصومة، فإلى جانب أهلية الاختصام يجب أن تتوافر الأهلية الإجرائية فمن لم يبلغ سن الرشد مثالً ال يستطيع القيام بالأعمال الإجرائية في الخصومة بنفسه، وإنما يقوم من ينوب عنه قانوناً بتمثيله في الخصومة وشتان بين شروط أهلية ممارسة الحقوق السياسية وشروط أهلية الاختصام، وشروط الأهلية الإجرائية، وليس من المنطق القانوني في شيء اعتبار تنفيذ أحد الخصوم مطالب خصمه قبل رفع الدعوى شرطاً لأهلية الاختصام، أو شرطاً للأهلية الإجرائية، وليس في النص الطعين ما يسند القول بأن أشتراط تنفيذ أحد الخصمين لما يطالب به خصمه هو شرط أهلية على فرض صحة أن يكون ذلك شرط أهلية، ولا يمكن التسليم قانوناً بأن ذلك شرط لصحة الإجراء أو شرط لقبول الدعوى فذلك مما لا سند له لا من منطق ولا من القواعد العامة للقانون، لأن مفاد ذلك قضاء خصم على خصمه أو تنفيذ لمطالب خصم من قبل خصمه قبل أن يقول القضاء كلمته، وفي ذلك هدم لمبدأ المساواة بين الخصوم وإهدار لحق التقاضي، على ما سنعرضه لاحقاً ثانياً بأن اعتبار اشتراط سداد ٥٠٪ من قيمة الضريبة المعترض عليها ضمان لجدية الدعوى كما فعل المشرع في الطعون الانتخابية غير سديد فالضمان القضائي (الكفالة) هو المبلغ الذي يودعه صندوق الخزينة كل من يسلك طرق الطعن في الأحوال التي نص عليها القانون، ويصادر المبلغ في حال ظهور الطاعن غير محق، والبند أ من المادة ٧٨ من قانون ضرائب الدخل ونصه يكون لكل من المصلحة والمكلف الطعن في قرارات لجان الطعن أمام محكمة قضايا ضرائب الدخل، وذلك خلال واحد وعشرين يوماً من تاريخ استلام قرار لجنة الطعن، ولا يعد الطعن المقدم من المكلف مقبولاً من الناحية الشكلية إلا بعد التحقق من قيام الطاعن بالآتي 一 سداد مبلغ الضريب ة التي يوافق عليها من واقع قرار لجنة الطعن ب يجعل من شروط قبول الطعن شكلاً، سداد مبلغ الضريبة التي يوافق عليها المكلف من واقع قرار لجنة الطعن، فلفظ السداد إذن الوارد في البند ب الطعين اللاحق للبند أ السابق له لا يخرج عن معناه في البند أ أي وفاء لنصف الضريبة المعترض عليها مسبقاً ثالثاً بأن الدستور اشتمل على مجموعة من الحقوق السياسية الاقتصادية والاجتماعية الخ، وإذا كان الدستور يحيل إلى القوانين في وضع شروط ممارسة تلك الحقوق، فإن المشرع مقيد فيما يضعه من شروط بأن لا يضع من الشروط ما يحول دون ممارستها، وأن لا يضع من الشروط ما لا يتفق مع طبيعة تلك الحقوق، أي أنه ال خالف في أن الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، إنها سلطة تقديرية غير أن هذه السلطة مقيدة بالضوابط التي يضعها الدستور مانح هذه السلطة، وما لا ينال من طبيعة تلك الح قوق أو يجردها من لوازمها، ولا يتعارض التنظيم مع أهداف الحق، وحق التقاضي بوصفه حق دستوري أصل، لا يوجد ما يمنع من تنظيمه تشريعياً بشرط ألا يتخذ المشرع هذا التنظيم وسيلة لحظر ممارسة هذا الحق أو إهداره، أو إثقاله بأعباء مالية، أو الحيلولة دون ممارسته بعوائق إجرائية إن حق التقاضي المكفول بالمادة ٥١ من الدستور ونصها يحق للمواطن أن يلجأ إلى القضاء لحماية حقوقه ومصالحه المشروعة وله الحق في تقديم الشكاوى والانتقادات والمقترحات إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة يفترض ابتداءً وبداهة تمكين كل متقاض من اللجوء إلى القضاء بيسر. وحيث أنه فضلاً عن ما تقدم فإن وضع العراقيل أمام محاولة خصم يبتغي اللجوء إلى القضاء، أو منعها، أو إحاطتها بقواعد إجرائية معيبة، لا يعدو أن يكون إنكاراً للعدالة، واشتراط عدم قبول التقاضي المنصوص عليه في الدستور، وحداً من الحق في اللجوء إلى القضاء للحصول على حق أو ضمانه أو إثباته، وعلاوة على ذلك فإن اشتراط المشرع على المحكمة عدم قبول دعوى خصم ما لم يقم بسداد ما يطالب به خصمه كلياً أو جزئياً، هو هدم لأحد أهم مبادئ التقاضي، وهو المساواة بين الخصوم المتفرع من مبدأ المساواة الوارد في المادة ٤١ من الدستور ونصها المواطنون جميعهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، وهو يعد ركيزة أساسية للحقوق والحريات على اختلافها، وغايته صون الحقوق والحريات في مواجهة صور التمييز التي تنال منها أو تقيد ممارستها، ووسيلة لتقرير الحماية المتكافئة للحقوق جميعها، ويمتد إلى تلك الحقوق التي يقررها المشرع في حدود سلطته التقديرية، وليس منها التمايز بين المتقاضين في مجال حقهم في النفاذ إلى قاضيهم الطبيعي إن تبرير وضع العراقيل أمام اللجوء إلى القضاء، وهدم مبدأ المساواة بين الأطراف في الخصومة القضائية، بافتراض أن كل من يطعن في قرارات اللجان الضريبية يقصد التهرب من أدائها، افتراض مخالف للأصل في حسن النية، والقول أن القيد الوارد في النص الطعين ضمان لتحصيل الضريبة هو قول قائم على افتراض سوء النية لدى المكلف، وملاءته في دفع نصف الضريبة المعترض عليها، وهما فرضيتان غير صحيحتين بشكل مطلق، والقانون قد بين تفصيلاً الوسائل الكفيلة بتحصيل الضرائب الممتنع عن أدائها من حجز، وبيع المحجوز، وجزاءات فلذلك
بيانات الهيئة والمصدر
بيانات الجلسة: جلسة 15/رجب/1422هـ الموافق 2/10/2001م
رئاسة الدائرة: القاضي/ زيد بن زيد الجمرة - رئيس المحكمة العليا ورئيس الدائرة الدستورية
وعضوية القضاة: محمد علي البدري، علي ناصر سالم، أحمد عمر بامطرف، محمد بن محمد الشامي، أحمد بن أحمد الخطابي، فيصل عمر مثنى
المصدر: القواعد القضائية المستخلصة من أحكام المحكمة العليا - العدد الثاني
الموضع في المصدر: صفحات PDF: 27-31 - الصفحة المطبوعة: 26
المحكمة: المحكمة العليا - الجمهورية اليمنية