حيثيات الحكم
بعد الاستماع إلى التقرير الذي أعده القاضي عضو الدائرة والاطلاع على عريضة الطعن بالنقض والرد عليها، وعلى سائر الأوراق المشمولة بملف الطعن تبين لهذه الدائرة أن الطعن مقبول شكلاً وفقاً لقرار دائرة فحص الطعون رقم (940) الصادر بجلستها المنعقدة بتاريخ 29/4/1432هـ الموافق 3/4/2011م، ومن حيث الموضوع فإن الطعن قد أقيم على ستة أسباب ينعى بها الطاعن على الحكم المطعون فيه بالبطلان لمخالفته القانون وما هو ثابت بالأوراق وفي بيان ذلك يقول:
1- أنه دفع أمام المحكمة مصدرة الحكم المطعون فيه بعدم قبول عريضة الاستئناف المقدمة من المستأنف لعدم إعلانه بها خلال المدة المحددة في المادة (285) مرافعات، وإنما بعد ثلاث سنوات من تقديمها إلى المحكمة إلا أن المحكمة تجاهلت الدفع ولم تتقيد بالإجراءات القانونية للإعلان.
2- أن الحكم المطعون فيه وبقوله في حيثياته إن المطعون ضده لم يرتكب أية مخالفة توجب الفصل قد جاء متعارضاً مع قواعد الإثبات ومتناقضاً مع الإقرار القضائي الذي أدلى به المطعون ضده أمام المحكمة الابتدائية وأورده الحكم الابتدائي بقوله: ((إن المطعون ضده قام بارتكاب المخالفة حينما استلم إشعار البنك المركزي وكتب عليه بخطه وقلمه (يقيد في الحساب) ثم قام بنفسه بتسليم الإشعار لمختص الكاونتر بدلاً من التأشير عليه بتحرير قيود الإشعار في سجلات الاعتمادات))، وهذا الإقرار سبقه إقرار أمام لجنة التأديب وأثبت في محاضر التحقيقات غير أن محكمة ثاني درجة حكمت بخلافه مما يجعل حكمها باطلاً.
3- أخطأ الحكم المطعون فيه في تفسير القانون حيث إن المحكمة خرجت في حكمها عن التفسير الحقيقي للمخالفة التي ارتكبها المطعون ضده وانبرت للدفاع عن المطعون ضده متناسية أنها محكمة وليست خصماً للبنك الطاعن.
4- خالف الحكم المطعون فيه ما هو ثابت بملف القضية عندما ذهب على القول بأن قرار فصل المطعون ضده صدر من مدير عام الشؤون الإدارية وهو غير مختص بإصداره...إلخ، إذ إن الثابت أن المطعون ضده موظف ارتكب مخالفات جسيمة لواجبات وظيفته فكان قرار الفصل هو الجزاء التأديبي المقرر بحقه لما ارتكبه في حق الطاعن، ومجلس التأديب هو من أنشأ القرار بحسب القانون واللوائح التنظيمية للبنك ثم أقره ووافق عليه رئيس الوحدة الإدارية (رئيس مجلس الإدارة)، وكان دور إدارة الشؤون الإدارية هو طباعة القرار وإصداره إلى العلن بصفتها الإدارة المختصة بطباعة القرارات الإدارية ثم نشرها وإعلانها ومن ثم فقد جاء القرار مطابقاً للقانون ومستوفياً أركانه ومقومات نفاذه.
5- أورد الحكم تحصيلاً خاطئاً لا أصل له واستنتج مسائل غير صحيحة وغير واقعية عن أن هناك أشخاصاً آخرين ارتكبوا المخالفة وجعلوا من المطعون ضده كبش فداء واختلق أسباباً ومبررات لقرار الفصل لم تقلها إدارة البنك الطاعن، وذلك يتعارض مع القانون الذي يشترط مخاصمة القرار الإداري موضوعياً وليس رمي التهم جزافاً.
6- خالف الحكم المطعون فيه القانون عندما قضى بالتعويض وبالرواتب المتأخرة مع أن المطعون ضده وبعلم الشعبة مصدرة الحكم قد تراخى ولم يتقدم لتحريك طعنه إلا بعد ثلاث سنوات من تقديمه إلى محكمة الاستئناف الأمر الذي يجعل طلباته غير مقبولة شكلاً ومضموناً...إلخ.
وحيث إنه بالنسبة للمناعي المذكورة في الأسباب الخمسة الأول فإنها مناع غير سديدة لما هو ثابت في الأوراق من أن محكمة ثاني درجة لم تتجاهل الدفع بعدم قبول عريضة الاستئناف لعدم إعلان البنك الطاعن بها خلال المدة القانونية، وإنما فصلت فيه بجلستها المنعقدة بتاريخ 16/1/2010م إذ قررت رفض الدفع وإلزام البنك بالرد على الاستئناف فقام محامي البنك بالرد على موضوع الاستئناف حسب الثابت من محضر الجلسة المذكورة ومحاضر الجلسات التالية، ولأن قرار فصل المطعون ضده من عمله لم يصدر من المخول له قانوناً بإصداره وهو الوزير المختص حسب المادة رقم (113/د) من قانون الخدمة المدنية التي نصت على أن عقوبة الفصل من الخدمة لا توقع إلا بقرار من الوزير المختص بناءً على توصية من مجلس التأديب، وإنما صدر من مجلس التأديب برقم (4/2005م) حسب الظاهر من صورته المرفقة بالملف، ولا يوجد بملف القضية ما يثبت أن الوزير المختص أو رئيس مجلس الإدارة بالبنك الأهلي اليمني وافق عليه وأصدر بموجبه قراراً بفصل المطعون ضده من عمله، وإنما يوجد أمر إداري بتنفيذ قرار مجلس التأديب مذيل بتوقيع مدير إدارة الشؤون الإدارية، ومن ثم فإن قضاء الحكم المطعون فيه ببطلان قرار فصل المطعون ضده واعتباره كأن لم يكن يعد قضاءً صائباً وموافقاً للقانون وليس في الحكم أي تفسير خاطئ للقانون أو للمخالفة المنسوبة للمطعون ضده، أما القول في حيثيات الحكم بأن هناك أشخاصاً آخرين ارتكبوا المخالفة وجعلوا من المطعون ضده كبش فداء فذلك تزيد من المحكمة لا يعول عليه ولا يؤثر في حكمها ببطلان قرار الفصل، وأما النعي على الحكم المطعون فيه بأنه خالف القانون عندما قضى للمطعون ضده بالتعويض وبالرواتب...إلخ فهذا النعي في محله ذلك أنه إعمالاً لقاعدة (أن المرتب مقابل العمل الذي يؤديه الموظف) فإن حق الموظف في مرتبه عن مدة الفصل لا يعود بمجرد إلغاء قرار الفصل وإنما يتحول إلى تعويض لا يقضى به إلا بناءً على طلب صريح بعد التحقق من توافر شروط المسؤولية الموجبة للتعويض وبموجبه. ولما كان المطعون ضده قد طلب في دعواه أمام محكمة أول درجة الحكم ببطلان وإلغاء قرار فصله من عمله مع الحكم بإعادته إلى عمله وصرف مرتباته مع التعويض، وكانت محكمة ثاني درجة قد قضت في الحكم المطعون فيه ببطلان وإلغاء قرار الفصل وإعادة المطعون ضده إلى عمله، وكان في إعادة المطعون ضده إلى عمله التعويض المناسب والجابر لما أصابه من ضرر معنوي (أدبي)، فإن المحكمة إذ قضت له فضلاً عن ذلك بتعويض نقدي عن ذات الضرر المعنوي قدره مليونا ريال يدفع له من البنك الطاعن حالياً حسب الفقرة رابعاً من منطوق الحكم المطعون فيه فإنها بذلك القضاء قد جانبت الصواب الأمر الذي يتعين معه إلغاء الفقرة المذكورة من الحكم، كما أنها بقضائها على البنك الطاعن بتسليم كافة مرتبات الموظف المطعون ضده من تاريخ 1/1/2005م حتى ينفذ الحكم بإعادته إلى عمله بعد خصم ما استلمه دون أن تشير في حكمها إلى أن تلك المرتبات تعد تعويضاً عن الضرر المادي الذي أصاب المطعون ضده جراء فصله من عمله بموجب قرار الفصل الذي حكمت ببطلانه للأسباب المذكورة في الحكم قد خالفت القاعدة السالف ذكرها وأخطأت في تطبيق القانون إذ كان يجب عليها أن تحكم بمثل تلك المرتبات كتعويض للمطعون ضده وليس كأجر أو مرتب. وحيث إن الأمر كذلك وكان المطعون ضده يستحق التعويض عما أصابه من ضرر مادي جراء فصله طالما قد ثبت بطلان قرار الفصل لما سبق ذكره فالمتعين على البنك الطاعن دفع المرتبات المحكوم بها للمطعون ضده لا باعتبارها مرتبات أو أجوراً وإنما باعتبارها تعويضاً عن الضرر المادي الذي لحق بالمطعون ضده حسبما أسلفنا.
بيانات الهيئة والمصدر
بيانات الجلسة: جلسة 7/3/1434هـ الموافق 19/1/2013م
رئاسة الدائرة: القاضي/ فيصل عمر مثنى رئيس الدائرة المدنية هيئة (د)
وعضوية القضاة: محمد قاسم محمد العبادي، إبراهيم محمد المرتضى، د. عبد الملك ثابت علي الأغبري، عبد الرزاق سعيد حزام الأكحلي
المصدر: القواعد القانونية والمبادئ القضائية المدنية المستخلصة من بعض أحكام المحكمة العليا - العدد التاسع عشر (السابع مدني)
الموضع في المصدر: الصفحات المطبوعة: 33-37 - صفحات PDF: 36-40
المحكمة: المحكمة العليا - الجمهورية اليمنية