الموقع القانوني اليمنيالمجتمع القانونيإضافة منشور
منشور من المجتمع

المحاماة.. بين ثقل الأمانة ومخافة الله

وقوف المحامي أمام القضاء ليس مجرد ممارسة لمهنة، بل هو وقوف بين حدين: حقٌّ يُطالَب به، وضميرٌ يُحاسَب عليه. إن المحاماة تزداد صعوبة وثقلاً كلما اتسع في قلب صاحبها الخوف من الله؛ فهي ليست مجرد نصوص يُحتج بها أو دفوع تُصاغ، بل هي أمانة تزن الجبال. ​فالذي يخشى ربه في هذه المهنة لا يرى القضايا مجرد أوراق ومستحقات، بل يراها مظالم وأرواحاً وحقوقاً سيسأل عنها يوم تُكشف السرائر. ينام وهو يحسب ألف حساب لثغرة قد تظلم حقاً، أو كلمة قد تجانب الصواب، أو دفع قد ينصر باطلاً وهو لا يعلم. ​أمانة الكلمة وتكليف العدالة ​المحاماة الناجحة القائمة على تقوى الله هي جهاد يومي لموازنة الحق ومخافة الإله: ​ثقل الأمانة: قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَا مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72]؛ والخصومة القضائية من أشد صور الأمانات التي تحمّلها الإنسان. ​البعد عن الخصومة الباطلة: حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الدفاع عن الباطل بقوله: «مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» (رواه أبو داود)؛ وهذا يجعل المحامي الحريص على دينه يتدقق في كل قضية قبل أن يخط فيها حرفاً. ​النزاهة قبل الربح: الصعوبة الحقيقية تكمن في رفض القضايا المربحة مالياً عندما يلوح فيها شبهة ظلم أو اعتداء على حق الغير، والتمسك بالحق ولو كان على حساب المصلحة الشخصية. ​إن أشد ما يواجهه المحامي التقي هو استشعار قوله تعالى: ﴿هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا﴾ [النساء: 109]. فهذه الآية تدق كالأجراس في وجدان كل من اتخذ القانون سيفاً لنصرة المظلومين، وتذكره بأن الوكالة في الدنيا تنتهي، وتبدأ بعدها الحسابات الدقيقة. ​ليست البطولة في كسب القضية بأي ثمن، بل البطولة في كسبها بالحق، أو التخلي عنها إذا كان فيها جور. نسأل الله أن يرزقنا ثبات الموقف، وصدق اللسان، وبصيرة الحق، وأن يجعل أعمالنا حجة لنا لا علينا.
العودة إلى المجتمع

التعليقات المعتمدة

لا توجد تعليقات معتمدة بعد.