شرح اتفاق تحكيم
أولًا: طبيعة اتفاق التحكيم
اتفاق التحكيم هو موافقة أطراف النزاع على طرح خلافهم على محكم أو لجنة محكمين للفصل فيه بدلًا من نظره ابتداءً أمام المحكمة المختصة، وذلك في المسائل التي يجوز فيها التحكيم قانونًا. وقد يكون اتفاق التحكيم وثيقة مستقلة بعد قيام النزاع، كما في هذا النموذج، وقد يكون شرطًا داخل عقد سابق يقرر إحالة أي نزاع مستقبلي إلى التحكيم. وتظهر أهمية الاتفاق في أنه ينقل طريق الفصل في النزاع من القضاء العادي إلى هيئة اختارها الطرفان بإرادتهما، لذلك يجب أن يكون مكتوبًا ومحددًا وواضحًا في موضوعه وأطرافه ومحكميه.
والتحكيم ليس صلحًا محضًا ولا وساطة اختيارية فقط، بل طريق للفصل في الخصومة بقرار يصدر عن المحكم أو لجنة التحكيم وفق حدود الاتفاق والقانون. لذلك يجب أن يدرك المحتكمون أن توقيع اتفاق التحكيم يرتب التزامًا بحضور جلسات التحكيم، وتقديم الأدلة، واحترام الإجراءات، وتنفيذ قرار المحكمين متى صدر صحيحًا في حدود التفويض. كما يجب أن يكون موضوع التحكيم مما يجوز فيه الصلح ولا يتعلق بالنظام العام أو المسائل المستثناة قانونًا، لأن الاتفاق على التحكيم في موضوع لا يجوز التحكيم فيه يكون عرضة للبطلان أو عدم الاعتداد به.
ثانيًا: صفة المحتكمين وأهليتهم
أول شرط عملي في اتفاق التحكيم هو أهلية المحتكمين وصفتهما. يجب أن يكون كل طرف أهلًا للتصرف في الحق محل التحكيم، لأن من لا يملك الحق أو لا يملك التصرف فيه لا يملك إحالة النزاع بشأنه إلى التحكيم. فإذا كان الطرف شخصًا طبيعيًا، فيجب ذكر اسمه وبيانات هويته ورضاه واختياره. وإذا كان يمثل شركة أو مؤسسة أو تركة أو قاصرًا أو وقفًا أو جهة، فيجب بيان مستند الصفة الذي يخوله إبرام اتفاق التحكيم. وإذا كان أحد الأطراف وليًا أو وصيًا أو منصوبًا عن ناقص أهلية، فيجب مراعاة القيود القانونية الخاصة بمصلحة ناقص الأهلية أو إذن المحكمة عند الحاجة.
كما يجب أن يكون موضوع النزاع محددًا تحديدًا يمنع الجهالة. فلا يكفي أن يقال إن الطرفين احتكما في «الخلافات بينهما» دون بيان، بل الأفضل ذكر أن النزاع يتعلق بعقد معين أو دين أو شراكة أو أرض أو حساب أو تنفيذ التزام أو تعويض. ويجب أن يذكر النموذج تاريخ النزاع أو سببه أو المستند المتعلق به، لأن تحديد الموضوع يمنع المحكمين من تجاوز التفويض ويمنع الأطراف من الدفع لاحقًا بأن الحكم تناول مسائل لم تدخل في اتفاق التحكيم.
ثالثًا: تعيين المحكمين وقبولهم
قانون التحكيم اليمني يقرر أن اتفاق التحكيم يجب أن يبين المحكم أو المحكمين، وأنه إذا تعدد المحكمون وجب، في غير الحالات المستثناة أو ما يتفق عليه الطرفان وفق القانون، أن يكون عددهم وترًا. لذلك يفضل أن يكتب في الاتفاق أسماء المحكمين الثلاثة أو المحكم الفرد ببيانات واضحة، وأن يثبت قبولهم لمهمة التحكيم كتابة أو بتوقيعهم على الاتفاق، لأن التحكيم لا ينعقد بمجرد رغبة الأطراف دون قبول المحكمين لمهمتهم. كما يجب أن يكون المحكم كامل الأهلية، صالحًا للحكم فيما حكم فيه، عدلًا، غير فاقد للأهلية أو محجورًا عليه أو محرومًا من حقوقه المدنية.
وتعيين المحكمين بدقة يمنع النزاع حول تشكيل اللجنة. فإذا مات محكم أو اعتذر أو تعذر عليه الاستمرار، فيستحسن أن يتضمن الاتفاق آلية لاستبداله أو الرجوع إلى المحكمة المختصة أو إلى طريقة يتفق عليها الأطراف. كما ينبغي أن يذكر الاتفاق هل تفصل اللجنة بالإجماع أو بالأغلبية، وهل يجوز لها الاستعانة بخبير، وهل جلساتها تعقد في مكان محدد، وهل تلتزم بمدة معينة لإصدار القرار. كل هذه التفاصيل تجعل التحكيم أكثر قابلية للتنفيذ وأقل عرضة للطعن.
رابعًا: إجراءات التحكيم والمصاريف وأتعاب المحكمين
اتفاق التحكيم الجيد لا يكتفي بتعيين المحكمين، بل يبين الالتزامات الإجرائية الأساسية. من ذلك التزام المحتكمين بالحضور، وتقديم المستندات، وتمكين اللجنة من سماع أقوالهم وشهودهم، وعدم تعطيل الجلسات، واحترام المواعيد. كما يجب أن يلتزم المحكمون بالحياد والأمانة وعدم الانحياز، واتباع قواعد وآداب القضاء، وإعطاء كل طرف فرصة عادلة لعرض دفاعه وأدلته. فإذا أخلت اللجنة بالحياد أو تجاوزت موضوع التحكيم أو منعت أحد الأطراف من الدفاع، فقد يثار نزاع حول صحة الحكم أو قابليته للتنفيذ.
أما المصاريف وأتعاب المحكمين، فيجب تحديدها أو بيان طريقة تقديرها ومن يتحملها. قانون التحكيم اليمني يقرر أن طرفي التحكيم يتحملان المصا